عبد الرحمن السهيلي
177
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
وقول ثابت بن وقش وحسيل : إنما نحن هامة اليوم أو غد ، يريد : الموت ، وكان من مذهب العرب في الميت أن روحه تصير هامةً ، ولذلك قال الآخر : * وكيف حياة أصداءٍ وهام * وقوله : لم يبق من عمرنا إلا ظمئ حمار . إنما قال ذلك ، لأن الحمار أقصر الدواب ظمئاً ، والإبل أطولها أظماءً . حول بعض رجال أحد وذكر قزمان ، وهو اسم مأخوذ من القزم ، وهو رذال المال ، ويقال : القزمان : الرديء من كل شيء . وذكر الأصيرم ، وهو عمرو بن ثابت بن وقش ، ويقال فيه : وقش بتحريك القاف . وقول حاطب المنافق : الجنة من حرمل ، يريد الأرض التي دفن فيها ، وكانت تنبت الحرمل أي : ليس له جنة إلا ذاك . ابن الجموح فصل : وذكر خبر عمرو بن الجموح حين أراد بنوه أن يمنعوه من الخروج إلى آخر القصة ، وزاد غير ابن إسحاق أنه لما خرج قال : اللهم لا تردني ، فاستشهد ، فجعلوه بنوه على بعير ، ليحملوه إلى المدينة ، فاستصعب عليهم البعير ، فكان إذا وجهوه إلى كل جهة سارع إلا جهة المدينة ، فكان يأبى الرجوع إليها ، فلما لم يقدروا عليه ذكروا قوله : اللهم لا تردني إليها ، فدفنوه في مصرعه . حكم من والساكن بعدها فصل : وقول هند بنت أثاثة : * مل هاشميّين الطّوال الزّهر * بحذف النون من حرف من لالتقاء الساكنين ، ولا يجوز ذلك إلا في من وحدها لكثرة استعمالها ، كما خصت نونها بالفتح إذا التقت مع لام التعريف ، ولا يجوز ذلك في نون ساكنة غيرها ، كرهوا توالي الكسرتين مع توالي الاستعمال ، فإن التقت مع ساكن غير لام التعريف نحو من ابنك ، ومن اسمك ، كسرت على الأصل ، والقياس المستتب . قال سيبويه : وقد فتحها قوم فصحاء يعني مع غير لام التعريف . لكاع ولكع وقول حسان في هند : أشرت لكاع ، جعله اسماً لها في غير النداء ، وذلك جائز ، وإن كان في النداء أكثر ، نحو يا غدار ويا فساق ، وكذلك لكع ، قد استعمل في غير النداء ، نحو قوله عليه السلام : أين لكع يعني : الحسن أو الحسين ممازحاً لهما . فإن قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح ، ولا يقول إلا حقاً ، فكيف يقول : أين لكع وقد سماه سيداً في حديث آخر ؟ فالجواب : أنه أراد التشبيه باللكع الذي هو الفلو أو المهر لأنه طفل كما أن الفلو والمهر كذلك ، وإذا قصد بالكلام قصد التشبيه ، لم يكن كذباً ، ونحوه قوله عليه السلام : لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس في الدنيا لكع بن لكع ، واللكع في اللغة : وسخ الغرلة ، وهو أيضاً الفلو الصغير ، فمن أجل هذا جاز أن يستعمل في غير النداء ، لأنه على هذا الوجه غير معدول كما عدل خبث عن خبيث ، وفسق عن فاسق ، وقال ابن الأنباري في الزاهر : اشتقاقه من الملاكع ، وهو ما يخرج مع المولود من ماء الرحم ودمها ، وأنشد : رمت الفلاة بمعجلٍ متسربلٍ * غرس السّلى وملاكع الأمشاج